سيد محمد طنطاوي

183

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقيل إن ما حرمه على نفسه هو العروق . روى ذلك عن ابن عباس والضحاك والسدي موقوفا عليهم . قالوا : كان يعتريه عرق النسا وهو عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ويسبب آلاما شديدة - فنذر إن عوفي منه لا يأكل عرقا ، فلما شفاه اللَّه ترك أكل العروق وفاء بنذره . ثانيا : تضمنت أيضا تكذيبهم في دعواهم أن ما حرم عليهم لم يكن سبب تحريمه ظلمهم أو بغيهم ، وإنما كان محرما على غيرهم ممن سبقهم من الأمم . وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : « وهو - أي ما اشتملت عليه الآية - رد على اليهود وتكذيب لهم ، حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم في قوله - تعالى - فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وحيث أرادوا جحود ما غاظهم بسبب ما نطق به القرآن من أن تحريم الطيبات عليهم كان لأجل بغيهم وظلمهم فقالوا : لسنا بأول من حرمت عليه هذه الأشياء ، وما هو إلا تحريم قديم ، كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل وهلم جرا ، إلى أن انتهى التحريم إلينا ، فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا . وغرضهم تكذيب شهادة اللَّه عليهم بالبغي والظلم والصد عن سبيل اللَّه وأكل الربا . وما عدد من مساويهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم اللَّه عليهم نوعا من الطيبات عقوبة لهم » « 1 » . ثالثا : تضمنت الآية كذلك أمرا من اللَّه - تعالى - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بأن يتحداهم بالتوراة ويبكتهم بما نطفت به ، وذلك بقوله - تعالى - في الآية الكريمة * ( قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * . فكأنه - سبحانه - يقول لهم : ما دمتم - يا معشر اليهود - قد زعمتم أن ما حرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم ليس تحريما حادثا ، وإنما هو تحريم قديم على الأمم قبلكم ، فها هي ذي التوراة قريبة منكم فأحضروها واتلوها بإمعان وتدبر إن كنتم صادقين في مدعاكم . والتعبير ب « إن » يشير إلى عدم صدقهم ، لأنها تدل على الشك في الشرط . أي : هم ليسوا صادقين فيما يزعمون ، ولذلك لا يتلون ولا يقرؤن ، ولو جاؤوا بها لكانت مؤيدة لما أخبر به القرآن الكريم ، ولذلك لم يجسروا على إخراج التوراة ، وبهتوا وانقلبوا صاغرين . وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وقوله * ( إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِه ) * مستثنى من اسم كان ، والتقدير : كل الطعام كان

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 385 .